العلامة الدكتور قايد محمد طربوش

العلامة الجليل، والبحاثة الكبير، أستاذ الفقه الدستوري، قائد محمد طربوش ردمان، ابن مدينة تعز- التحق بالتعليم منذ الخمسينات. تعشق التعلم والتعليم باكراً. مر مرور الكرام بالنشاط السياسي والحزبي؛ فقد كانت المعرفة والعلم الهم الأكبر منذ البداية. تعارفنا في الحديدة منتصف الستينات، فقد كان في الطريق إلى موسكو بعد الحصول على الثانوية العامة. انهمك في الدراسة ووهبها الجهد والوقت، ولم تمض إلا بضعة أعوام حتى أصبح ابن جليلة الدكتور الجليل يشار إليه بالبنان كمرجع في البحث والقانون بخاصة، وصديقاً للاستشراق الروسي، ودليلاً للباحثين العرب والأجانب في القانون وفي التاريخ اليمني.

الدكتور قائد عالم موسوعي، أدرك باكراً هشاشة العمل الحزبي، ومكائد الحياة السياسية عربياً ويمنياً؛ فأدار ظهره لها ساخراً، وانصرف للبحث وتشجيع الطلاب اليمنيين والعرب على البحث والاهتمام برسالة المعرفة.

في منتصف الثمانينات زرت مع الفقيد الأديب والسارد يحيى علي الإرياني- نائب رئيس مركز الدراسات والبحوث اليمني- موسكو بدعوة من مركز الاستشراق، ومن خلال ابن طربوش تعرفنا على الباحثين وعلماء الاستشراق الروس، والذين تربطهم علاقات علمية وطيدة بالباحث اليمني والعربي. كانت في موسكو غرفته المملوءة بالكتب والأبحاث والمراجع الكاثرة قبلةً لزملائه الطلاب من مختلف الاتجاهات والبلدان.

لهذا العالم الجليل مقدرة فائقة على كسب ود وثقة الآخرين؛ فهو عنوان شهير وكبير لصداقات تبدأ ولا تنتهي. عزف، وفي وقت مبكر، عن الصراعات والخلافات السياسية؛ فانغمس حتى ما فوق شحمة الأذن في الدراسة والبحث، ورغم قسوة الظروف، والمعاناة الشديدة، وشظف العيش، فقد ترك قائد طربوش إرثاً علمياً كبيراً أغنى المكتبة اليمنية والعربية بالكتب والأبحاث عن الحياة الدستورية والقانونية.

درس عالمنا الدستور والقانون والتشريعات في العديد من البلدان، أو بالأحرى في أهم البلدان الديمقراطية، وتوسع بحثه وامتد إلى تشريعات وقوانين العديد من البلدان والقارات.

غمر المكتبة اليمنية والعربية بفيض من المؤلفات والترجمات العديدة، فقد درس نظم الحكم في الـ  ج. ع. ي، وبيبلوغرافيا اليمن في الاستشراق السوفيتي، ودرس نظم الانتخابات في الـ ج. ع. ي، والسلطة التشريعية في الدول العربية ذات النظام الجمهوري، والتعددية السياسية ومنعها، والتنظيم الحاكم الوحيد في الدساتير العربية.

درس يمنياً وعربياً نظم الحكم والتشريعات والدساتير في هذه البلدان، كما درس عميقاً أوضاع وحالات الحريات العامة والديمقراطية في الوطن العربي، وبالأخص في اليمن، ودرس أوضاع المرأة في هذه الدساتير والقوانين، ودرس التجارب الوحدوية في اليمن وعربياً، مستخلصاً أعمق الدروس وأهمهما، كما درس عشائر مدينة وريف تعز، والنقائل إليها من مختلف مناطق اليمن.

كعالم فقه دستوري، وباحث موسوعي، ومن خلال عمله كمقرر للمركز العلمي للدراسات والبحوث، ورئيساً لدائرة الدراسات القانونية؛ فقد أعد موسوعة أنظمة الحكم في الدول العربية في عشرة أجزاء، وملحق عن النظم القضائية في التشريع الدستوري العربي، وهو عمل موسوعي علمي.

ترجم 500 وثيقة دستورية أجنبية تشمل جل بلدان العالم، وترجم 201 وثيقة في دراسة التشريعات والدساتير والقوانين في البلاد العربية واليمن منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، واضطلع بدور رائع في التدريس، وتتلمذ على يده المئات والآلاف، ولا يزال العلامة قائد محمد طربوش يحرث البحث، ويغرس المعرفة في عقول أبناء شعبه وأمته العربية غير منتظر جزاءً ولا شكورا؛ فله التحية والعرفان.

Top