الأخبار

دار ناجي في حيس.. قصة عطش لا تنتهي

تهامة اليوم - الحديدة

دار ناجي إحدى قرﻯ مديرية الخوخة، وتقع في أقصى شرق المديرية، وتبعد عنها حوالي 25 كيلو مترًا، وهي محادّة لمديرية حيس، محافظة الحديدة.

منذ فبراير/ شباط 2018، تعاقب كلٌّ من القوات الحكومية وجماعة الحوثي الانقلابية في السيطرة على مديرية حيس، وفي الطريق إليها تقع قرية دار ناجي التي أصبحت منذ ذلك الحين معرضة لمخاطر الاشتباكات التي تدور بالقرب منها.

مع اشتداد الاشتباكات، نزح سكان من القرية ونزحت تجمعات سكانية متفرقة بالقرب منها، لكن ظلت بعض الأسر في منازلها ولم تنزح، بل ونزح إلى القرية أسر من مناطق أخرى.

فجرت جماعة الحوثي في مايو آذار 2018 خزان المياه التجميعي، الذي يقع في الطريق نحو مديرية حيس وتمتد أحد أنابيبه إلى قرية دار ناجي. قطع هذا التفجير شريان حياة القرية، فأصبح العطش يتهدد سكانها، بالإضافة إلى القذائف والرصاص الحي.

يقول ياسين قبيع (30 سنة): “أصبح الماء مشكلة؛ فيوميًّا بعد الفجر، أخرج على حمار ومعي دبتين (جالونين، سَعة الواحدة 20 لترًا)، وأجازف بنفسي بين الرصاص حاليًّا وبين العبوات ]الناسفة[، حتى أصل إلى مزرعة علي سلمان وأملأ دبتي الماء وأعود إلى البيت الساعة التاسعة والنصف، ثم يأخذ أبي، وهو كبير في السن، الحمار ويذهب مرة أخرى إلى المزرعة؛ لأن 40 لترًا لا تكفينا؛ فمعنا أغنام وبقرة”.

أصبح سكان القرية مجبرين على التنقل يوميًّا، وقطع المسافة الطويلة لسد احتياجاتهم من الماء،

حيث يقول أحمد دوبلة (25 سنة): “نمشي 6 كيلو حتى نصل إلى المزرعة لتعبئة دبتين ماء، ونحملها على الحمار ثم نعود، وهكذا يوميًّا، لا حل لنا غير الحمير نحَمل عليها، أما الوايتات (شاحنات نقل المياه) فلا قدرة لنا بشراء حتى وايت واحد”.

يقع الخزان التجميعي الذي يتسع لـ100 متر مكعب من المياه، ويبعد حوالي ثمانية كيلو مترات عن موقع الآبار، حيث تمر أنابيب الضخ باتجاه حيس من أمام قرية دار ناجي من الجهة الشمالية، ويمتد أحد تلك الأنابيب إليها. بعد تفجير الخزان توقف مشروع المياه، وأصبحت القرية بلا ماء.

قامت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، بالتدخل في الساحل الغربي بمشروع الاستجابة الطارئة (المياه والإصحاح البيئي). كانت قرية دار ناجي إحدى القرى التي يصل إليها الماء عبر نقل المياه بالشاحنات، وتبرع فاعلي الخير بضخ المياه إلى القرية، فعادت إليها بعض الحياة.

في نهاية يناير/ كانون الثاني 2021، توقف ضخ المياه عن القرية، وأصبح سكانها في حالة يرثى لها، وتضاعفت مأساتهم. يسكن حاليًّا فيها 125 أسرة، أي حوالي 900 نسمة، منها 25 أسرة نازحة، وهناك تجمعات سكانية متفرقة لرعاة مواشٍ يسكنون بشكل غير ثابت بالقرب من القرية.

يعاني سكان القرية وما حولها من شحة المياه، فلا يوجد أي بئر هناك، توجد فقط أربعة خزانات بلاستيكية (نقاط مياه إسعافية)؛ ثلاثة منها ذات سَعة ألفي لتر لكل خزان، أما الخزان الرابع فهو ذو سعة ألف و500 لتر.

لم يُضخّ إلى هذه الخزانات ٳلا أربعة آلاف و500 لتر فقط من المياه يوميًّا، وهو تبرع من فاعلي خير منذ فبراير/ شباط 2021 حتى الآن.

يتجمع الأهالي بجانب الخزانات؛ حيث يتولى الأطفال والنساء مسؤولية جلب المياه من الخزانات التي في القرية، و”يساربون” تحت حرارة الشمس لتعبئة 40 لترًا، لعلها تضمن إطفاء ظمئهم.

يقول علي زهير (48 سنة)، وهو أحد سكان القرية لمواطنة لحقوق الإنسان: “يأتي وايت 4 آلالف و500 لتر، من فاعل خير، ويصب الماء في الخزانات الأربعة ويغادر، وبمجرد أن يُسمَع صوت الوايت يخرج النساء والأطفال ليملؤُوا دباب (جالونات) الماء، وكل منزل يحصل بالكاد على دبتين سعة 20 لترًا فقط، هي لا تكفي للشرب وطباخة الأكل؛ فكيف بالذي معه أغنام وأبقار”.

مع اشتداد حرارة الشمس في مناطق الساحل الغربي لتصل من 40 إلى 42 درجة، يزداد الاحتياج إلى المياه وتزداد معاناة سكان القرية، حيث يتحول الصيف إلى قطعة من عذاب.

يضيف علي زهير: “لا تكفينا المياه. أضطر إلى أن أشتري كل أسبوع وايت سعة 4 آلاف و500 لتر بـ7 آلاف ريال، وأحيانًا بـ8 آلاف ريال (8–9 دولارٍ أمريكيّ تقريبًا)، لكن من يستطيعون شراء وايت في القرية قليلون جدًّا؛ فمعظم سكان القرية حالتهم المادية لا تسمح”.

يضطر سكان القرية لجلب المياه بواسطة الحمير من مسافات بعيدة تصل إلى 12 كيلو مترًا، ذهابًا وإيابًا، ويخاطرون بأنفسهم، فتحصيل 20 لترًا من الماء قد يستغرق خمس ساعات، وهذه معاناة أخرى تضاف لمعاناتهم.

يقول عبدالرحمن ناجي دوبلة (50 سنة- عاقل القرية) لمواطنة: “125 أسرة نازحة ومقيمة في القرية حاليًّا لا يستطيعون توفير احتياجهم من الماء، فيذهب البعض حوالي 12 كيلو متر إلى مزرعة لجلب دبتين (جالونين) ماء على الحمير، ومع ازدياد حرارة الشمس نحتاج إلى كمية كبيرة من الماء. فالذهاب إلى المزرعة مرة أخرى متعب”.

منذ ديسمبر/ كانون الأول 2020 حتى الآن، مرت بجانب القرية أنابيب (خطوط ضخ) مشروعي مياه يمتد إلى مديرية حيس، لم يلتفت أحد إلى القرية أو يأبه بها، رغم أن سكان القرية عند مرور أنبوب المشروع الأول بجانبهم خاطبوا الجهات المختصة ووعدوا بمد أنبوب لهم، لكن لم يتم ذلك، ثم جاء المشروع الثاني وأثناء الحفر بجانب القرية خرج كبار السن يمنعون ماكينة الحفر حتى تحل مشكلتهم، فوعدت الجهات المختصة بحل المشكلة، لكنها ما زالت قائمة إلى اليوم.

يذكر أن منطقة دار ناجي يسيطر عليها حاليًّا اللواء السابع عمالقة واللواء الثالث تهامي (قوات مشتركة)، فيما المنطقة التي فيها الخزان التجميعي لا تزال تحت سيطرة الحوثيين.

لم يلتفت أحد إلى هذه القرية، ولم يتم التعامل مع النازحين فيها كنازحين والمقيمين فيها كمجتمع مضيف؛ ولم تحظَ بالمعاملة كمخيم، حيث يتوفر لسكانه الاحتياجات الضرورية والتدخلات الخاصة بالمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية.

يضيف دوبلة: “مرت أنابيب مشروعين إلى حيس، وكلما خاطبناهم يعِدُوننا بعمل حل ثم لا يلتفتون إلينا؛ إننا نعيش ألم الحرب وألم ارتفاع حرارة الشمس وألم العطش”.

ويأتي هذا الانتهاك ضمن عدد لا يحصى من الانتهاكات التي تسببت في انعدام الأمن الغذائي والمائي الحاد في اليمن، هي حاليًّا موضوع تقرير لمواطنة لحقوق الإنسان يتم إعداده بالشراكة مع منظمة الامتثال للحقوق العالمية “GRC”.

ويقدم التقرير، المزمع إصداره خلال النصف الثاني من العام الحالي، تحليلًا لأول مرة حول أنماط التجويع المستخدمة من قبل طرفي الصراع الرئيسيين، ويصل إلى استنتاجات بشأن الطابع المتعمد لهذه الهجمات في الإضرار بالبنية التحتية الأساسية لمعيشة المدنيين.

المصدر: مواطنة لحقوق الإنسان

خبر مختار من قبل المحرر

خبر مختار من قبل المحرر

Top